الشوكاني
398
فتح القدير
أسروا على لغة من يجوز الجمع بين فاعلين : كقولهم أكلوني البراغيث ، ذكر ذلك الأخفش ، ومثله - ثم عموا وصموا كثير منهم - ومنه قول الشاعر : * فاهتدين البغال للأغراض * وقول الآخر : ولكن دنا بي أبوه وأمه * بحوران يعصرن السليط أقاربه وقال الكسائي : فيه تقديم وتأخير : أي والذين ظلموا أسروا النجوى . قال أبو عبيدة : أسروا هنا من الأضداد : يحتمل أن يكون بمعنى أخفوا كلامهم ، ويحتمل أن يكون بمعنى أظهروه وأعلنوه ( هل هذا إلا بشر مثلكم ) هذه الجملة بتقدير القول قبلها : أي قالوا هل هذا الرسول إلا بشر مثلكم لا يتميز عنكم بشئ ؟ ويجوز أن تكون هذه الجملة بدلا من النجوى ، وهل بمعنى النفي : أي وأسروا هذا الحديث ، والهمزة في ( أفتأتون السحر ) للإنكار ، والفاء للعطف على مقدر كنظائره ، وجملة ( وأنتم تبصرون ) في محل نصب على الحال . والمعنى : إذا كان بشرا مثلكم ، وكان الذي جاء به سحرا ، فكيف تجيبونه إليه وتتبعونه ، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على ما تناجوا به ، وأمره الله سبحانه أن يجيب عليهم فقال ( قل ربى يعلم القول في السماء والأرض ) أي لا يخفى عليه شئ مما يقال فيهما ، وفى مصاحف أهل الكوفة " قال ربى " أي قال محمد : ربي يعلم القول ، فهو عالم بما تناجيتم به . قيل القراءة الأولى أولى ، لأنهم أسروا هذا القول ، فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك وأمره أن يقول لهم هذا . قال النحاس : والقراءتان صحيحتان ، وهما بمنزلة آيتين ( وهو السميع ) لكل ما يسمع ( العليم ) بكل معلوم ، فيدخل في ذلك ما أسروا دخولا أوليا ( بل قالوا أضغاث أحلام ) قال الزجاج : أي قالوا الذي تأتي به أضغاث أحلام . قال القتيبي : أضغاث الأحلام الرؤيا الكاذبة . وقال اليزيدي : الأضغاث ما لم يكن له تأويل ، وهذا إضراب من جهة الله سبحانه حكاية لما وقع منهم ، وانتقال من حكاية قولهم السابق إلى حكاية هذا القول . ثم حكى سبحانه إضرابهم عن قولهم : أضغاث أحلام ، قال ( بل افتراه ) أي بل قالوا افتراه من تلقاء نفسه من غير أن يكون له أصل . ثم حكى سبحانه عنهم أنهم أضربوا عن هذا وقالوا ( بل هو شاعر ) وما أتى به من جنس الشعر ، وفى هذا الاضطراب منهم ، والتلون والتردد أعظم دليل على أنهم جاهلون بحقيقة ما جاء به ، لا يدرون ما هو ولا يعرفون كنهه ، أو كانوا قد علموا أنه حق ، وأنه من عند الله ، ولكن أرادوا أن يدفعوه بالصدر ويرموه بكل حجر ومدر ، وهذا شأن من غلبته الحجة وقهره البرهان . ثم بعد هذا كله ، قالوا ( فليأتنا بآية ) وهذا جواب شرط محذوف : أي إن لم يكن كما قلنا : فليأتنا بآية ( كما أرسل الأولون ) أي كما أرسل موسى بالعصا وغيرها ، وصالح بالناقة ، ومحل الكاف الجر صفة لآية ، ويجوز أن يكون نعت مصدر محذوف ، وكان سؤالهم هذا سؤال تعنت ، لأن الله سبحانه قد أعطاهم من الآيات ما يكفي ، ولو علم الله سبحانه أنهم يؤمنون إذا أعطاهم ما يقترحوه لأعطاهم ذلك ، كما قال - ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون - قال الزجاج : اقترحوا الآيات التي لا يقع معها إمهال ، فقال الله مجيبا لهم ( ما آمنت قبلهم من قرية ) أي قبل مشركي مكة : ومعنى من قرية من أهل قرية ، ووصف القرية بقوله ( أهلكناها ) أي أهلكنا أهلها ، أو أهلكناها بإهلاك أهلها ، وفيه بيان أن سنة الله في الأمم السالفة أن المقترحين إذا أعطوا ما اقترحوه ، ثم لم يؤمنوا نزل بهم عذاب الاستئصال لا محالة ، ومن في من قرية مزيدة للتأكيد . والمعنى : ما آمنت قربة من القرى التي أهلكناها بسبب اقتراحهم قبل هؤلاء ، فكيف نعطيهم ما يقترحون ، وهم أسوة من قبلهم ، والهمزة في ( أفهم يؤمنون ) للتقريع